الدولة العلوية
الفصل التاسع: الدولة العلوية
تُعد الدولة العلوية (من 1069هـ/1659م إلى اليوم) آخر السلالات الحاكمة في المغرب، ولا تزال قائمة حتى العصر الحديث. نشأت في سياق الفوضى والاضطراب الذي أعقب سقوط السعديين، ونجحت في إعادة توحيد المغرب واستعادة سيادته رغم الأخطار الداخلية والخارجية.
1. النشأة والخلفية
- ينتمي العلويون إلى الأشراف الحسنيين، أي من نسل الحسن بن علي بن أبي طالب.
- استقروا في تافيلالت (جنوب المغرب) منذ القرن 13م، وعُرفوا بنفوذهم الديني ومكانتهم الروحية.
- مع ضعف السعديين وتفتت المغرب بين القوى المحلية، برز العلويون كقوة جديدة بفضل قيادتهم للجهاد ضد القبائل المتمردة والأوروبيين.
2. التأسيس على يد محمد بن الشريف (ت. 1082هـ/1672م)
- يُعتبر محمد بن الشريف المؤسس الأول للدولة العلوية.
- بدأ ببسط سلطته على تافيلالت، ثم وسّع نفوذه تدريجيًا نحو فاس ومراكش.
- بعد وفاته، واصل أبناؤه توسيع الدولة، خصوصًا المولى الرشيد.
3. المولى الرشيد (1069–1082هـ / 1664–1672م)
- يُعد المؤسس الفعلي للدولة العلوية.
- أعاد توحيد المغرب بعد الانقسامات بين القبائل والزعامات المحلية.
- دخل فاس سنة 1076هـ/1664م، ثم مراكش، فبسط سيطرته على معظم البلاد.
- قضى على بقايا السعديين والمعارضين، وثبّت أركان الدولة الجديدة.
4. المولى إسماعيل (1082–1139هـ / 1672–1727م)
- من أعظم ملوك العلويين، وحكم نصف قرن تقريبًا.
- أسس جيشًا قويًا من عبيد البخاري (عبيد سودانيين دربهم على الطاعة والانضباط).
- أعاد الأمن الداخلي بعد سنوات من الفوضى.
- خاض حروبًا مع البرتغاليين والإسبان، واستعاد بعض الثغور الساحلية.
- نقل العاصمة إلى مكناس، وبنى فيها قصورًا وأسوارًا ضخمة ما تزال شاهدة على عهده.
- فرض هيبة المغرب على القوى الأوروبية، حتى أن فرنسا في عهده أبرمت معه معاهدات ودفعت الجزية.
5. المغرب في القرون اللاحقة
- بعد المولى إسماعيل، ضعفت الدولة بسبب صراعات أبنائه على الحكم.
- في القرنين 18 و19م، واجه المغرب ضغوطًا أوروبية متزايدة (إسبانيا، فرنسا، بريطانيا).
- رغم ذلك حافظ العلويون على استقلال المغرب في وقت سقطت فيه معظم الدول الإسلامية تحت السيطرة العثمانية أو الاستعمار الأوروبي.
- أبرز السلاطين:
- سيدي محمد بن عبد الله (1757–1790م): اهتم بالتجارة البحرية، وبنى مدينة الصويرة كميناء تجاري.
- المولى سليمان (1792–1822م): واجه النفوذ الأوروبي، واهتم بالزوايا والطرق الصوفية.
6. المغرب في العصر الحديث – الاستعمار الفرنسي والإسباني
- مع القرن 19م، تزايدت الضغوط الأوروبية على المغرب.
- هُزم في معركة إيسلي (1844م) أمام فرنسا، وفي تطوان (1860م) أمام إسبانيا.
- أدى ضعف الدولة إلى توقيع معاهدة فاس (1912م) التي جعلت المغرب تحت الحماية الفرنسية والإسبانية، مع بقاء السلطان العلوي رمزًا للسيادة.
7. العلويون وحركة الاستقلال
- في القرن العشرين، لعب السلطان محمد الخامس دورًا محوريًا في دعم الحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي.
- نُفي محمد الخامس إلى مدغشقر سنة 1953م، لكن الشعب المغربي ثار حتى عاد سنة 1955م.
- في 1956م أُعلن استقلال المغرب، واستمر الحكم العلوي.
- خلفه ابنه الحسن الثاني (1961–1999م) الذي قاد المغرب في مرحلة صعبة من الحرب الباردة، ورسّخ مركزية الملكية.
- ثم جاء الملك محمد السادس (1999م–الآن)، الذي قاد إصلاحات سياسية واقتصادية مهمة.
8. إنجازات الدولة العلوية
- توحيد المغرب بعد الانقسام السعدي.
- المقاومة ضد الأوروبيين في القرن 17–18م.
- العمران: مكناس في عهد المولى إسماعيل، الصويرة في عهد سيدي محمد بن عبد الله.
- الحفاظ على الاستقلال أطول فترة ممكنة مقارنة بجيران المغرب.
- دعم الاستقلال الوطني في القرن العشرين على يد محمد الخامس.
- استمرارية الدولة: هي السلالة الوحيدة التي بقيت من العصور الإسلامية الوسطى حتى اليوم.
الخلاصة
الدولة العلوية مثلت استمرارية التاريخ المغربي منذ 4 قرون:
- قامت في زمن الفوضى، فوحدت المغرب على يد المولى الرشيد وبلغت أوجها مع المولى إسماعيل.
- واجهت الاحتلال الأوروبي بصعوبة، لكنها صمدت أطول من غيرها.
- قادت المغرب إلى الاستقلال في القرن العشرين، وما تزال تحكمه حتى العصر الحديث.
- بذلك فهي تمثل أقدم ملكية إسلامية ما زالت قائمة في العالم.
✅
تعليقات
إرسال تعليق